ابن كثير

211

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ولهذا قال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرجه من منزله ولا يظاهر عليه ، كما قال تعالى : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ [ البقرة : 54 ] وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة كما قال عليه الصلاة والسلام « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » . وقوله تعالى : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ الآية ، قال محمد بن إسحاق بن يسار ، حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ الآية ، قال : أنبأهم اللّه بذلك من فعلهم ، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم ، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم ، فكانوا فريقين : طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج والنضير ، وقريظة وهم حلفاء الأوس ، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس ، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم ، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ولا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا قيامة ولا كتابا ولا حلالا ولا حراما ، فإذا وضعت الحرب أوزارها ، افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة وأخذا به بعضهم من بعض ، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس ، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيد الخزرج منهم ، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم ، وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم يقول اللّه تعالى ذكره حيث أنبأهم بذلك أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [ البقرة : 85 ] أي تفادونهم بحكم التوراة وتقتلونهم وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك باللّه ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا ؟ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة . وقال أسباط عن السدي : كانت قريظة حلفاء الأوس ، وكانت النضير حلفاء الخزرج فكانوا يقتتلون في حرب بينهم ، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائهم النضير وحلفائهم ، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ويغلبونهم ، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها ، فإذا أسر رجل من الفريقين كلاهما ، جمعوا له حتى يفدوه ، فتعيرهم العرب بذلك يقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ، قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، قالوا فلم تقتلونهم ؟ قالوا : إنا نستحي أن تستذل حلفاؤنا ، فذلك حين عيرهم اللّه تبارك وتعالى فقال تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ الآية . وقال أسباط عن السدي عن الشعبي نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ